جلال الدين السيوطي

459

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

وتدبّ إلى ستّ وتطير ، فسبحان من خلقها خلقا عجيبا ، وجعل لها من كلّ شجر وثمر نصيبا ، وجعل لها إدبارا وإقبالا ، وطلبا واحتيالا حتى دبّت ودرجت ، وخرقت وسحبت ، ونزلت وعرجت مع المنظر الأنيق ، والعصب الدقيق ، والبدن الرقيق هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [ سورة لقمان ، الآية 11 ] ثم قال : وما ذا تقولون في طير إذا طار بسط ، وإذا دنا من الأرض لطع ؟ رجلاه كالمنشار ، وعيناه كالزجاج ، عينه في جنبه ، ورجله في قامته ، ألا وهي الجرادة . ثم قال : وأحسن منه : جيدها كجيد البقر ، ورأسها كرأس الفرس ، وقرنها كقرن الوعل ، ورجلها كرجل الجمل ، وبطنها كبطن الحية ، تطير بأربعة أجنحة ، وتأكل بلسانها ، فتبارك الله ما أحسنها ! وأحسن ما فيها أنّها طعام ونقل ، طاهر حيّا وميتا ، تجدب أقواما وتخصب آخرين . فقلنا له : ما معنى قولك : « تجدب أقواما وتخصب آخرين » ؟ قال : إنّها إذا حلّت البوادي والفيافي ومواضع الرمال ؛ فهي خصب لهم وميرة . وإذا حلّت بمأوى الزرع والأشجار ؛ فهي تجدب ؛ لأنّها تأتي على الشوك والشجر والرطب واليابس ، فلا تبقي ولا تذر . قال : وقال أيضا في تضاعيف كلامه : خادم الملك لا يتقدم في رضاه خطوة إلا استفاد بها قدمة وحظوة . قال : وما رأيت أحدا من المشايخ كان أذكر لحال الشباب ، وأكثر تأسّفا على ذهابه منه ، فإنّه إذا رأى أحدا من أقرانه قد عاجله الشيب تسلّى به ، ولم يزل يسأله عن حالة كانت في أيام الشباب وزمن الصبا ، وإذا ذكر بين يديه ما يتعلّق بالشيب والشباب بكى جدا ، وحنّ وشكا وأنّ ، وتذكّر عهد الشباب . وكان كثيرا ما ينشد مقطّعات محمود الورّاق في الشيب ويبكي عليها . ثم قال : ما رأيت أحدا كان أحفظ لجوامع الزهد نظما ونثرا ، وما ورد في الشيب من شيخنا أبي سعيد ، وذلك أنّه كان ديّنا ورعا تقيا نقيا زاهدا عابدا خاشعا ، له دأب